عمر فروخ
409
تاريخ الأدب العربي
بالأعياد الفارسيّة وبمظاهر الحياة الفارسيّة ، فبعد أن قال ابن الروميّ : يمنّ اللّه طلعة المهرجان ، وقال : أعجميّ آيينه ( حضارته ) عربيّ . والبحتريّ العربي الخالص كان قد خصّ إيوان كسرى بقصيدة بارعة مشهورة ؛ جاء الآن مهيار الديلميّ ففخر فوق كلّ فخر لمّا قال : « وأبي كسرى علا إيوانه » ( راجع ترجمته ) . ولقد هال المتنبّي أن يرى النفوذ الفارسيّ يزحف على النفوذ العربيّ ثم ينحدر بالعرب إلى الفساد والذلّة فقال : وإنّما الناس بالملوك ، وهل تص * لح عرب ملوكها عجم ! وينكر بديع الزمان الهمذانيّ على العرب احتفالهم بالأعياد الفارسية وبليلة السذق « 1 » خاصّة ، فهو يقول : « إنّ عيد الوقود لعيد إفك ، وإنّ شعار النار لشعار شرك . وما أنزل اللّه بالسذق سلطانا ، ولا شرّف نيروزا ولا مهرجانا ؛ وإنّما صبّ اللّه على فروق العجم « 2 » لما كره من أديانها وسخط من نيرانها » . إن التشيّع الذي مزج بالآراء الفارسيّة الوثنيّة أصبح التشيّع المتطرّف ، ذلك التشيّع الذي اعتقد بالتناسخ والرجعة وبتأليه عليّ وبحلول روح اللّه في بنيه . ويبدو أن بني بويه كانوا يشجّعون هذا التشيّع المتطرّف سرّا . غير أنّهم كانوا يشجّعون مظاهر التشيّع المعتدل ليخرجوا به إلى التطرّف إن استطاعوا أو ليثيروا بذلك الفتن بين أهل السنّة وبين الشيعة . إنّهم لم يكتفوا بأن يشجّعوا الاحتفال بيوم عاشوراء « 3 » على ما يحتفل به جميع المسلمين بالصوم والتقوى وبرّ الأقربين وبذل الصدقات وبذكر اللّه وبالتأسّي بصمود الحسين بن عليّ رضي اللّه عنهما في وجه الظلم والطغيان وببذل النفس في سبيل الحفاظ على المبدأ ، بل حسّوا على التظاهر بأمور لم يشرعها اللّه ولا يرضى
--> ( 1 ) السذق : ليلة الوقود ، كان الفرس يشعلون فيها النيران العظيمة ويضيئون الشموع . ( 2 ) جمع فرق : افتراق الشعر في مقدمة الرأس ( المقصود : رؤوس العجم ) ، كناية عن تغلب العرب بالإسلام على الفرس يوم كانوا مجوسا . ( 3 ) العاشر من الشهر الأول ( المحرم ) من السنة القمرية ( الهجرية ) . في عاشوراء من سنة 61 ه كانت مأساة كربلاء واستشهد الحسين بن علي رضي اللّه عنهما .